جلال الدين السيوطي
179
الإتقان في علوم القرآن
وأسد بن خزيمة ، وقريش ؛ فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات . ونقل أبو شامة « 1 » عن بعض الشيوخ أنه قال : أنزل القرآن أوّلا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب . ولم يكلّف أحد منهم الانتقال عن لغته إلى لغة أخرى للمشقّة ، ولما كان فيهم من الحميّة ، ولطلب تسهيل فهم المراد . وزاد غيره : أنّ الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهّي ، بأن يغيّر كلّ أحد الكلمة بمرادفها في لغته ، بل المرعيّ في ذلك السماع من النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . واستشكل بعضهم هذا : بأنه يلزم عليه أنّ جبريل كان يلفظ باللفظ الواحد سبع مرات . وأجيب : بأنّه إنّما يلزم هذا لو اجتمعت الأحرف السبعة في لفظ واحد ، ونحن قلنا : كان جبريل يأتي في كل عرضة بحرف ، إلى أن تمت سبعة . وبعد هذا كلّه ردّ هذا القول بأنّ عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم « 2 » ، كلاهما قرشيّ من لغة واحدة وقبيلة واحدة ، وقد اختلفت قراءتهما ، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته ، فدلّ على أنّ المراد بالأحرف السبعة غير اللّغات . القول الحادي عشر : أنّ المراد سبعة أصناف . والأحاديث السابقة تردّه ، والقائلون به اختلفوا في تعيين السّبعة ، فقيل : أمر ونهي ، وحلال وحرام ، ومحكم ومتشابه ، وأمثال « 3 » . واحتجّوا بما أخرجه الحاكم والبيهقيّ : عن ابن مسعود ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كان الكتاب الأوّل ينزل من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجر وآمر ، وحلال وحرام ، ومحكم ومتشابه ، وأمثال . . . » الحديث « 4 » .
--> ( 1 ) المرشد الوجيز ص 95 ، وانظر لطائف الإشارات 1 / 35 . ( 2 ) رواه البخاري ( 2419 - 5041 - 7550 ) ، ومسلم ( 818 ) ، وأبو داود ( 1475 ) ، والترمذي ( 2943 ) ، والنسائي 2 / 150 - 152 ، وفي الكبرى ( 7985 - 11366 ) ، وأحمد 1 / 40 - 42 - 43 ، ومالك ( 5 ) 1 / 201 ، وعبد الرزاق ( 20369 ) ، والطيالسي ص 9 ، وابن أبي شيبة ( 30125 ) ، وابن حبان ( 741 ) ، والدارقطني في العلل 2 / 215 والبغوي ( 1226 ) . ( 3 ) انظر المرشد الوجيز ص 107 ، ولطائف الإشارات 1 / 43 - 44 . ( 4 ) رواه الحاكم في المستدرك 1 / 553 ، وابن عبد البر في التمهيد 8 / 275 . قال ابن عبد البر 8 / 275 - 276 : « وهذا حديث عند أهل العلم لا يثبت ، لأنه يرويه حيوة ، عن عقيل ، عن سلمة هذا . ويرويه الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سلمة بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - مرسلا وسيأتي ص 596 . -